دير القديس هيلاريون/ تل أم عامر
تقع اطلال الدير في بلدية النصيرات، على بعد حوالي 10 كم جنوب مدينة غزة و10 كم من مينائها، ويحتل موقعًا استراتيجيًا عند تقاطع طرق التجارة والاتصالات الرئيسية بين آسيا وأفريقيا، مما ساعد على أن يكون مركزًا للتبادل الديني والثقافي والاقتصادية خلال الفترة البيزنطية ويظهر الدير على خريطة فسيفساء مادبا الأثرية من القرن السادس ميلادي باسم طاباثا ( Thauatha ) مما يشير الى أهميته في تلك الفترة.
تم تسجيل الموقع بشكل طارئ على قائمة التراث العالمي عام 2024م، وفق المعيار الثاني والثالث والسادس، وعلى قائمة التراث العالمي تحت الخطر في نفس العام لحمايته من المخاطر التي يتعرض لها بسبب حرب الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة. تشهد اطلال الموقع على الابتكارات المعمارية والإسهامات الفنية الاستثنائية للموقع، خاصة فن الفسيفساء بين القرنين الرابع والثامن فجعلته من أكبر الأديرة في شرق البحر الأبيض المتوسط وشاهدًا رئيسيًا على المجتمع الرهباني المتطور والمزدهر الذي كان له أثر في نشر وتطور التقاليد المعمارية والنسكية المسيحية هذه المنطقة، مما برر تسجيله على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، كأقدم مؤسسة رهبانية في فلسطين وشرق البحر الأبيض المتوسط، أسسها القديس الفلسطيني هيلاريون، والذي يعتبر محورا عقائديا مهما في الرهبنة المسيحية المبكرة، وأطلال ديره تمثل شاهد على إرثه الروحي والثقافي، وتأثيره على الممارسات الرهبانية المسيحية ونشرها في الشرق الأوسط، إلى جانب التأثيرات الفنية والمعمارية.
تبلغ مساحة الموقع حوالي 14 دونما ويشمل القسم الكنسي في جنوبه، وحمام ونزل (خان) في شماله بينهما بئر ماء ومنشآت مائية. ويوثق الموقع تطور الحياة الرهبانية في فلسطين في الفترة البيزنطية، ويظهر ذلك من خلال العناصر المعمارية المحفوظة جيدًا، بما في ذلك مجمع من ثلاثة كنائس متراكبة، سرداب، حمامات، أنظمة مائية، أنظمة تدفئة، نزل ( خان). وللموقع أهميته تاريخية ودينية ومعمارية وثقافية استثنائية كونه يمثل أحد أهم المحطات التكوينية في تأسيس نمط حياة الرهبنة المسيحية في فلسطين، والتي الهمت تأسيس مراكز وأديرة رهبانية مسيحية في الأراضي المقدسة والشرق الأوسط خلال القرن الرابع الميلادي، واستمر هذا الدير في الاستخدام والتطور حتى نهاية الفترة الأموية في القرن الثامن ميلادي، حيث انه تهدم بفعل الزلزال العنيف الذي ضرب فلسطين والمنطقة المحيطة عام 749 ميلادي.
وتعتبر أطلال دير القديس هيلاريون في تل أم عامر شاهدا ماديا على تطور نمط الحياة والعمارة الرهبانية في فلسطين وشرق البحر المتوسط. فقد بدأ الدير بنمط النسك الفردي (المرحلة النساكية) متأثرا بفكر وممارسات القديس هيلاريون، وتطور إلى نمط النسك الجماعي المشترك في القرنين الخامس والسادس. وهو يعتبر نموذجًا فريدا للنسك الجماعي المشترك القائم على الإرشاد الروحي والتبادل الفكري القائمة على التقاليد الرهبانية للقديس هيلاريون، ومطورا أيضا للممارسات الفكرية والتقاليد النساكية، والتي عرفت في القرن الخامس الميلادي باسم المدرسة الرهبانية في غزة، جذبت اليها العلماء والرهبان من جميع أنحاء الإمبراطورية البيزنطية لتصبح مجتمعًا فكريًا معروفًا للنقاشات اللاهوتية ونشر الأفكار الرهبانية، ومتجاوزا الحدود الجغرافية تاركا أثرًا عميقا على تقاليد الرهبنة المسيحية.
وفي القرن الخامس، بعد مجمع خلقيدونية، أصبح المركز الرهباني في غزة معقلًا للنضال ضد الخلقيدونية، وجذب اليه الرهبان المثقفين وعزز الروابط مع المركز الفكري في غزة. وبالرغم من الاختلافات اللاهوتية، ظهرت المدرسة الرهبانية في غزة كمركز متطور ومزدهر منحه أثر ودور مؤثر في المشهد الكنسي والسياسي في المنطقة.
